الشيخ محمد رشيد رضا
398
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
آخرهم عيسى : لم ارسل الا إلى خراف إسرائيل الضالة . ولم يكن لداود وسليمان وعيسى من دونها شريعة . وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ أي ويحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة أو الأمكنة التي لم يكن فيها أنبياء أو معهم باذنهم . والربانيون هم المنسوبون إلى الرب - إما بمعنى الخالق المدبر لامر الملك ، لأنهم يعنون بالعلم الإلهي والتهذيب الروحاني - وإما بمعنى مصدر ربه يربه أي رباه ، لأنهم يربون أنفسهم ثم غيرهم بالعلم والعرفان ، وأحاسن الآداب والاخلاق ، وهم كبار كهنتهم من اللاويين الصالحين . ويروى عن أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه أنه قال : أنا رباني هذه الأمة . وقد سبق بيان معنى الكلمة في تفسير آل عمران . والأحبار جمع حبر ( بفتح الحاء وكسرها ) وهو العالم . ومادة حبر في اللغة تدل على الجمال والزينة التي تسر الناس ، وشعر محبر مزين بنكت البلاغة والفصاحة . وثوب محبر : مزين بالنقوش أو الوشي الجميل . ومنه برد حبرة ( بالكسر ) وحبير ، وهو ثوب ذو خطوط بيض وسود أو حمر . فيحتمل ان يكون إطلاق لفظ الحبر على العالم مأخوذا من هذا المعنى ، ويحتمل ان يكون من الحبر الذي يكتب به . وقال الراغب الحبر ( بالكسر ) الأثر المستحسن . ثم قال والحبر العالم وجمعه أحبار ، لما يبقى من اثر علومهم . اه واطلق لقب حبر الأمة في الاسلام على ابن عباس رضي اللّه عنهما ، كما اطلق لفظ الرباني على علي المرتضى عليه الرضوان . والذي يسبق إلى فهمي عند ذكر الربانيين والأحبار ، ان الربانيين عند بني إسرائيل كالأولياء العارفين عندنا ، والأحبار عندهم كعلماء الظاهر عندنا . وقال ابن جرير الربانيون جمع رباني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم . واما الأحبار فإنهم جمع حبر وهو العالم المحكم للشيء . وما قلناه اظهر ، وهو إلى اللغة أقرب . والتوراة مؤنثة اللفظ ومعناها الشريعة . واما قوله تعالى بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ فمعناه انهم يحكمون بها بسبب ما أودعوه من الكتاب وائتمنوا عليه وطلب منهم حفظه . أي طلب منهم الأنبياء موسى ومن بعده اي يحفظوه ولا يضيعوا منه شيئا . وناهيك بالعهد الذي اخذه موسى بأمر اللّه على شيوخ بني إسرائيل بعد ان كتب التوراة - ان يحفظوها ولا يتحولوا عنها . وقد تقدم في تفسير الميثاق من أواخر سورة النساء وأوائل هذه السورة .